محمد الصادقي

38

حوار بين الإلهيين والماديين

فلنحكم كذلك : أنّ هناك إلها خالقا مجردا عن المادة - إذ نجد الكون يدل عليه بحدوثه ونظامه البارع البديع - فإنما الكون محراب واسع تسجد فيه الكائنات لربها وتدل عليه بذواتها وصفاتها وآثارها - . وكلمة الفصل في وجد أن الإله المجرد : أنه لا يدرك بالإحساس المادي ومحال ان يدرك به ذاتيا - إذ إنّ التماس إدراكه بالحاسّة التماس لإدراك الشيء بغير ما يلائمه ويناسبه من وسائل الإدراك - وإنما ذلك كمن يريد الاستماع بالبصر والرؤية بالسمع والذوق باللمس واللمس بالذوق - بل وأبعد منه وأضل سبيلا ! أجل - وإن لكلّ مدرك وسيلة أو وسائل خاصة تناسبه - مادّية أو مجردة - والإله المجرد محال أن يدرك بالإحساس المادي - ومحال أن يحاط به علما بالعقول - فإنه مجرد غير محدود - فكيف يدرك ذاتيا بالوسائل المادية أو العقلية المحدودة - وإنّما السبيل الوحيد إلى الإذعان بوجوده - الآثار التي تدل عليه - والكون بأجمعه : بكمّه وكيفه ونظمه و . . أثره وآيته القاطعة الدالة عليه . وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنه خالق : عالم ، قادر ، حيّ ، مختار و . . . ثم إن الإحساس المادي أيضا بحاجة ضرورية في نطاقه الواسع إلى تصديق العقل والقوة المدركة غير الظاهرة ولولاها لبطل الاحساس أو تصديقه - وعلى أيّة حال فمن المحال لمن أخلد إلى الزوايا المادية أن يجد سبيلا إلى وجدان اللّه تعالى - فإنه بالمنظر الأعلى : أن يطمئن العقل بوجوده فحسب - لا الأدنى : ان ينظر إليه من الزاوية المادية من زوايا الإدراك - قاعدة مطردة في كل مدرك : أنه لا يدرك إلّا بما يناسبه من وسائل الإدراك . المادي : إننا لا نعقل - ولن نعقل - وجودا وراء المادة - ولا نعتبر وراءها إلا وراء الوجود - كالفور مول التالي :